فصل: مسألة يخطب يوم الجمعة فإذا قضى خطبته قدم رجلا فصلى بالناس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قراءة سورة الإخلاص مرارا في ركعة واحدة:

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
وسألته عن قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] مرارا في ركعة واحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا.
قال محمد بن رشد: كره مالك رَحِمَهُ اللَّهُ للذي يحفظ القرآن أن يكرر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] في ركعة واحدة مرارا لئلا يعتقد آخر أن أجر من قرأ القرآن كله كأجر من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثلاث مرات تأويلا لما روي «عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنها تعدل ثلث القرآن»، إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصروا على قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] في الصلوات بدلا من قراءه السور الطوال، ولكرروها في الركعة الواحدة من فرائضهم ونوافلهم، ولا قتصروا على قراءتها دون سائر القرآن في تلاوتهم، فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك وأجمعوا أن من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] في ركعة واحدة لا يساوي في الأجر من أحيا الليل وقام فيه بالقرآن كله.
قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ إن تكريرها في ركعة واحدة من محدثات الأمور ورأى ذلك بدعة، وهو كما قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا دليل على أن تكريرها في ركعة واحدة أفضل من قراءة سورة طويلة تزيد في القدر على قدر ما يجتمع من تكريرها المرات التي كررها فيها، فيما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن»، إذ قد يحتمل أنه إنما كان يرددها لأنه لا يحفظ سواها، ولم يقل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن ذلك من فعله أفضل من قراءة السور الطوال، وإنما علم أنها تعدل ثلث القرآن من أجل أن الرجل كان يتقالها على ما جاء في الحديث، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنها تعدل ثلث القرآن» اختلافا كثيرا لا يرتفع بشيء منه على الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض وكلام.
وقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار عن إسحاق بن منصور أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] إنها تعدل ثلث القرآن ما وجهه؟ فلم يقم لي فيه على أمر بين، قال: وقال لي إسحاق بن راهويه: معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا في الثواب لمن قرأه أضعاف غيره منه تحريضا منه على تعليمه لا أن من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن كله، هذا لا يستقيم ولو قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] مائتي مرة.
قال ابن عبد البر: هذان عالمان بالسنن وإمامان في السنة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة، والذي عليه أهل العلم والسنة الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد بالأفئدة والإيمان بما تشابه من القرآن والتسليم له وبما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نحو هذا الحديث وشبهه في أحاديث الصفات.
قال محمد بن رشد: وقد قال بعض المتأخرين إن المعنى في ذلك أن تضعيف الأجر في قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ينتهي إلى أن يكون مثل أجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف، وهذا أشبه ما رأيت في ذلك من التأويلات، إلا أنه بعيد من ظاهر الحديث؛ لأنه إذا لم يعدل أجر قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] مضاعفا لأجر قراءة ثلث القرآن مضاعفا أو أجر قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] غير مضاعف لأجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف فليست بعدل له على الحقيقة. والذي أقول به أن المعنى في ذلك، والله أعلم، أن الله تفضل على من قرأ جميع القرآن بأن كتب له من الأجر في قراءة ما عدا {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] مثلي ما كتب له في قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، لا أن من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وحدها يكون له من الأجر مثل من قرأ ثلث القرآن، ولا أن من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثلاث مرات يكون له من الأجر مثل من قرأ القرآن كله.
فالأجر الذي يحصل لقارئ القرآن كله مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يقع منه ثلثه لقل هو الله أحد وثلثاه لسائر القرآن على هذا التأويل. مثال ذلك الصلاة الأجر الذي يحصل للمصلي في جملة صلاته يقع منه لنيته أكثر ما يقع منه لتكبيره وقراءته وقيامه وركوعه وسجوده وتشهده وسلامه، وإن كان التعب والعناء في ذلك كله أكثر من التعب والعناء في النية.
والدليل على ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نية المؤمن خير من عمله»؛ لأن العمل لا ينتفع به إذا لم تقارنه نية، فإذا قارنته نية كان جل الأجر لها على معنى ما جاء في الحديث. وكذلك سائر أعمال الطاعات، فصح تأويل ما جاء في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] على ما ذكرناه والله أعلم بمراد نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

.مسألة الرجل يدخل المسجد النبوي بأي شيء يبدأ:

وسئل عن الرجل يدخل مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة بأي شيء يبدأ؟ بالسلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم بركعتين؟ قال: بل بركعتين، وكل ذلك واسع. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يركع.
قال محمد بن رشد: وجه توسعة مالك البداية بالسلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الركعتين قوله في الحديث قبل أن يجلس، فإذا سلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ركع الركعتين قبل أن يجلس فقد امتثل أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الركوع قبل الجلوس ولم يخالفه.
ووجه اختيار ابن القاسم للبداية بالركوع قبل السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله في الحديث: «إذا دخل فليركع» والفاء في اللسان تدل على أن الثاني عقب الأول بلا مهلة، فكان الاختيار إذا دخل أن يصل دخوله بركوعه، وأن لا يجعل بينهما فاصلة من الاشتغال بشيء من الأشياء.

.مسألة الأصبع إذا لم يجد سواكا أيجزئه من السواك:

وسئل مالك عن الأصبع إذا لم يجد سواكا، أيجزئه من السواك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رغب في السواك فقال: «عليكم بالسواك» ولم يخص سواكا من غير سواك، فكان الاختيار أن يستاك بسواك لأنه أحلى للأسنان وأطهر للفم، فإن لم يجد سواكا قام الأصبع مقامه لكونه مستاكا به ممتثلا للأمر لأنه عموم إذ لم يخص به سواكا من أصبع ولا غيره، والله أعلم.
ويتصل بهذه المسألة في بعض الروايات مسألة الحاج من أهل مكة في إفاضته من منى إلى مكة، وقد مضت في رسم الشريكين، وفي رسم شك في طوافه، والكلام عليها مستوفى هناك، وبالله التوفيق.

.مسألة رفع اليدين في الدعاء وفي الصلاة عند التكبير:

وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، قال ما يعجبني ذلك، فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عند التكبير؟ فقال لقد ذكر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به. فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ قال ذلك حسن، ثم قال على أثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة: إنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئا، فأنزل الله عز وجل: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فأكلوا بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك رَحِمَهُ اللَّهُ رفع اليدين في الدعاء، وظاهره خلاف لما في المدونة؛ لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء، فلا يكون خلافا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم شك في طوافه.
وأما رفع اليدين عند الإحرام في الصلاة فالمشهور عن مالك أن اليدين ترفع في ذلك، وقد وقع في الحج الأول من المدونة في بعض الروايات أن رفع اليدين في ذلك عنده ضعيف، ووقع له في سماع أبي زيد من هذا الكتاب إنكار الرفع في ذلك، وإلى هذا ينحو قوله في هذه الرواية؛ لأنه احتج فيها بما دل على أن الرفع أمر قد ترك ونسخ العمل به كما نسخ تحريم الأكل برمضان بالليل بعد النوم.
والصحيح في المذهب إيجاب الرفع في ذلك بالسنة، فهو الذي تواترت به الآثار وأخذ به جماعة فقهاء الأمصار. وروى ابن وهب وعلي، واللفظ لعلي، أنه سئل عن المرأة أعليها رفع يديها إذا افتتحت الصلاة مثل الرجل؟ فقال ما بلغني أن ذلك عليها وأراه يجزئها أن ترفع أدنى من الرجال. وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من حكاية فعل مالك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعا، وهو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب.
وروى مثله عنه محمد بن يحيى السبائي؛ ومرة قال إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؟ ومرة خير بين الأمرين.
والأظهر ترك الرفع في ذلك؛ لأن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك، وهما رويا الرفع عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ما رويا عنه إلا وقد قامت عندهما الحجة بتركه. وقد روي أيضا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف قوله فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يصلي لنفسه أيسلم اثنتين:

وسئل عن الرجل يصلي لنفسه، أيسلم اثنتين؟ قال: لا بأس بذلك، إذا فصل بالسلام الأول أن يسلم بعد ذلك عن يساره، فقيل له: فالإمام؟ فقال ما أدركت الأئمة إلا على تسليمة واحدة، فقيل له: تلقاء وجهه؟ قال يتيامن قليلا عن يمينه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في آخر رسم شك في طوافه، ومضى طرف من ذلك في الرسم الذي قبل هذا، فقف على ذلك.

.مسألة عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون:

وسئل عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك، قال هذا من البدع وأنكره إنكارا شديدا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في صدر الرسم الذي قبل هذا، ونحو ما مضى في رسم حلف بطلاق امرأته، ورسم صلى نهارا ثلاث ركعات، في كراهة الاجتماع للدعاء في المساجد يوم عرفة بعد العصر.

.مسألة الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح:

وسئل مالك عن الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح في ذلك، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: وجه التخفيف في ذلك بين لأنها صلاة تطوع، وقد جاء أن له أن يصليها مضطجعا مع القدرة على القيام، روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر صلاة القاعد»، فإذا جاز له أن يصلي مضطجعا اتسع له أن يمد رجله للاستراحة، والله أعلم.

.مسألة الرجل يستتر بالبعير في الصلاة:

وسئل مالك عن الرجل يستتر بالبعير قال: لا بأس بذلك، فقيل له: فالخيل والحمير؟ قال لا؛ لأن الخيل والحمير أبوالها وأرواثها نجس، وأن أبوال الإبل والبقر والغنم وأرواثها ليس بالنجس، كأنه لا يرى بالسترة بالبقرة والشاة في معنى قوله مع الإبل بأسا.
قال محمد بن رشد: قد بين في الرواية وجه منعه من أن يستتر بالخيل والبغال والحمير، ولو استتر بشيء من ذلك لكان له سترة تدفع الحرج عمن يمر أمامه وكان هو قد أساء، ولم تجب عليه إعادة؛ لأنه بمنزلة من صلى وأمامه جدار مرحاض أو كافر أو جنب وما أشبه ذلك.

.مسألة الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج:

وسئل مالك عن الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج، قال أرجو أن يكون ذلك واسعا، وليس كل الناس سواء، وحر مكة شديد، ولقد وضع عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثوبه فسجد عليه من شدة الحر، فقيل له: فإن كان رجل يطيق أن يصلي في الشمس ويحمل ذلك أترى أن يتقدم؟ قال نعم.
قال محمد بن رشد: خفف مالك للرجل أن يصلي وحده في السقائف ويترك التقدم إلى الفرج التي في صفوف الناس لموضع الضرورة، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لكان قد أساء وصلاته تامة على المشهور من قول مالك.
وقد روى ابن وهب عن مالك أن من صلى خلف الصف وحده أعاد أبدا، وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، لما جاء في ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما قد ذكرناه في أول رسم شك في طوافه.
ولو كان معه في السقائف غيره ولم يكن منفردا فيها وحده لكانت صلاته جائزة بإجماع. وكلما كثر عدد القوم الذين يكونون معه في السقائف كانت الكراهة له في الصلاة معهم وترك التقدم إلى الفرج التي في الصفوف أخف.
وقد روى أشهب عن مالك في رسم الصلاة الأول أنه سئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا وعند باب المسجد ناس يصلون ركوعا وبين يديه الفرج أيركع مع هؤلاء عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: أرى أن يركع مع هؤلاء عند باب المسجد فيدرك الركعة، إلا أن يكونوا قليلا فلا أرى أن يركع معهم، ويتقدم إلى الفرج أحب إلي. وأما إذا كانوا كثيرا فإني أرى أن يركع معهم. ففي هذا دليل على ما قلناه وبالله التوفيق.

.مسألة صلاة الليل أثلاث عشرة ركعة أم إحدى عشرة ركعة:

وسئل مالك عن حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة الليل أي ذلك أحب إليك أثلاث عشرة ركعة، أم إحدى عشرة ركعة؟ قال: كل ذلك قد جاء، وأكثر ذلك أعجب إلي لمن قوي عليه.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا إشكال فيه أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل منها مع استوائها في التطويل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، لما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط بها عنه خطيئة»، ومنهم من ذهب إلى أن طول القيام أفضل، لما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل أي الصلوات أفضل؟ قال: طول القنوت»، وفي بعض الآثار: «طول القيام». وهذا القول أظهر، إذ ليس في الحديث الأول ما يعارض هذا الحديث، ويحتمل أن يكون ما يعطي الله عز وجل للمصلي بطول القيام أفضل مما ذكره في الحديث الأول أنه يعطيه بالركوع والسجود.
وكذلك ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن العبد إذا قام فصلى أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه»، لا دليل فيه أيضا على أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام؛ إذ قد يحتمل أن يكون ما يعطي الله عز وجل بطول القيام في الصلاة أكثر من ذلك كله.

.مسألة الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي:

وسئل مالك عن الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي، قال: لا يعجبني ذلك إلا أن يكون له عذر، فقيل له: فما العذر؟ فقال: غير شيء واحد.
قال محمد بن رشد: معنى ما تكلم عليه أنه سافر بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فكره ذلك له إلا من عذر إذ لم يجب عليه الخروج لشهود العيد بعد.
ولو طلعت الشمس وحلت الصلاة لما جاز له أن يخرج لسفره، ويدع الخروج لشهود صلاة العيد كالجمعة، فكره له السفر قبل زوال الشمس، ويحرم عليه إذا زالت الشمس وحلت الصلاة؛ لقول الله عز وجل: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، والله أعلم.

.مسألة يبقى عليه حزبه من الليل أيقرأه في مسيره إلى المسجد لصلاة الصبح:

وسئل مالك عن الرجل يبقى عليه حزبه من الليل فيخرج لصلاة الصبح وقد بقي عليه حزبه، أفترى أن يقرأ في مسيره إلى المسجد؟ قال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفعل ذلك، وما يعجبني ذلك. وقال: يقرأ في السوق وما أشبهه ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، قال الله تبارك وتعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وثبت على ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في هذه الرواية قراءة القرآن في الأسواق والطرق لوجوه ثلاثة:
أحدها: تنزيه للقرآن وتعظيم له من أن يقرأه وهو ماش في الطرق والأسواق لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات.
والثاني: أنه إذا قرأه على هذه الأحوال لم يتدبره حق التدبر.
والثالث: لما خشي أن يدخله في ذلك مما يفسد نيته، وهو الذي يدل عليه استدلاله بقول الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]. وحكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف إجازة ذلك، وقال: وقد بلغني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن والِيَيْنِ ومعلمين، فلما قدما اليمن تفرقا في المنزل ثم التقيا، فقال معاذ لأبي موسى الأشعري كيف تقرأ القرآن اليوم؟- قال مالك: وأحسبهما كانا قد اشتغلا بتعليم الناس الإسلام والقرآن- فقال أبو موسى: أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وعلى كل حال. قال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
ويدل على جواز هذا أيضا ما وقع في الموطأ عن عمر بن الخطاب، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن فذهب بحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن الحديث. وقد مضى طرف من هذا المعنى في رسم تسلف.

.مسألة الرجل يسافر يوم الجمعة بعد أن يصبح:

وسئل مالك عن الرجل يسافر يوم الجمعة بعد أن يصبح، قال: ما يعجبني ذلك إلا من عذر.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذا المعنى فوق هذا قبل هذه المسألة، وسيأتي أيضا في آخر سماع موسى بقية القول فيها إن شاء الله تعالى.

.مسألة المسافر أيصلي بالسيف والقوس على عاتقه:

وسئل مالك عن المسافر أيصلي بالسيف والقوس على عاتقه؟
قال: إن أعجب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة، فالقوس لا يشبه السيف. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن لو جعل صاحب السيف على عاتقه عمامة، وما ذلك بضيق، ولا يصلي بالقوس.
قال محمد بن رشد: استحب مالك للمسافر إذا صلى بالسيف والقوس أن يجعل على عاتقه عمامة. ويستفاد من قوله فالقوس لا يشبه عندي السيف أنه أجاز له أن يصلي بالسيف وخفف له أيضا أن يصلي بالقوس، وكره له ابن القاسم أن يصلي بالقوس، فوافق مالكا على إجازته له الصلاة بالسيف مع الاستحباب أن يجعل على عاتقه عمامة، وخالفه في تخفيفه له الصلاة بالقوس؛ وأجاز له ابن حبيب الصلاة بهما جميعا، ولم ير عليه بأسا في أن يجعل على عاتقه عمامة، فكأنه رأى له تقلد السيف وتنكب القوس عن الرداء.
وهذا كله في السفر والجهاد والثغور ومواضع الرباط، وأما في الحضر فيكره له الصلاة بالسيف والقوس. قال ابن حبيب: إلا أن يكون في ذلك عزيمة من السلطان لأمر ينوب فلا بأس أن يصلي بسيفه أو متنكبا قوسه، وليطرح على السيف عطافا أو رداء أو ساجا أو عمامة، وبالله التوفيق.

.مسألة يصلي العشاء في منزله ويوتر ثم يسمع الإقامة في قبيلته أترى أن يعيدها:

وسئل مالك عن الرجل يصلي في منزله صلاة العشاء ويوتر ثم يسمع الإقامة في قبيلته، أترى أن يعيدها؟ قال: لا، قال ابن القاسم: يريد إذا أوتر وإن صلى وحده فلا يعيد في جماعة.
قال محمد بن رشد: قول مالك رَحِمَهُ اللَّهُ فيمن صلى العشاء وحده ثم أوتر: إنه لا يعيد في جماعة صحيح على أصله فيمن أعاد صلاته في جماعة أنه لا يدري أيتهما صلاته على ما روي أن عبد الله بن عمر قال للذي سأله عن ذلك: أو أنت تجعلها؟ إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء؛ لأنه إذا كانت صلاته هي الآخرة التي صلى في جماعة بطل وتره لحصوله في غير وقته.
وقد قيل إنهما جميعا له صلاتان فريضتان، وعلى هذا تأتي رواية علي بن زياد عن مالك في أن من أعاد صلاة المغرب في جماعة فذكر وهو يتشهد مع الإمام، أنه لا يشفعها برابعة وعليه أن يعيدها ثالثة، وهو الذي يدل عليه تعليل قوله للمنع عن إعادة صلاة المغرب في جماعة: إنه إذا أعادها كانت شفعا إلا إذا كانتا جميعا فريضتين له.
وأما إذا كانت فريضته هي الواحدة منهما والثانية نافلة فلا تكون شفعا. ووجه التعليل للمنع من إعادة صلاة المغرب في جماعة على أصله في أن الواحدة هي صلاته أن يقول: إنه لا يعيدها في جماعة؛ لأن النافلة لا تصلى ثلاثا، ويلزم قياس القول بأنهما له صلاتان فريضتان أن يجوز لمن صلى وحده أن يؤم قوما في تلك الصلاة، وهذا ما لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه.
وقد تأول ما روي أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يذهب فيؤم قومه في تلك الصلاة على هذا. وذهب أهل العراق إلى أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نُسخ، فلم يجيزوا لمن صلى وحده أن يعيد في جماعة إلا على أنها له نافلة، إذا كانت تجوز أن يصلي بعدها نافلة. وقد اختلف إذا صلى العشاء وأوتر ثم أعاد في جماعة هل يعيد الوتر أو لا؟ فقال سحنون: إنه يعيد الوتر، وقال يحيى بن عمر إنه لا يعيده.
وجه قول سحنون أنه لما احتمل أن تكون صلاته هي الآخرة وقد بطل وتره أمر أن يعيده احتياطا. ووجه قول يحيى بن عمر أنه لما احتمل أن تكون صلاته هي الأولى فلا يبطل وتره لم ير أن يعيده على الأصل في أنه لا تأثير للشك في اليقين، ولئلا يكون قد أوتر مرتين في ليلة واحدة، وقد جاء النهي عن ذلك، روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا وتران في ليلة»، وبالله التوفيق.

.مسألة يخطب يوم الجمعة فإذا قضى خطبته قدم رجلا فصلى بالناس:

سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون من كتاب الصلاة الأول:
وسئل مالك عن الذي يخطب يوم الجمعة فإذا قضى خطبته قدم رجلا فصلى بالناس، أيجوز ذلك له؟ فقال: نعم، لو خطب ثم أصابه مرض أو حدث أو رعاف ثم قدم غيره فصلى بالناس لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الركعتين إنما حطت من صلاة الظهر لأجل الخطبة، فصارت الخطبة والصلاة كشيء واحد. فإذا أصاب الإمام حدث يمنعه من التمادي على الخطبة أو من الصلاة بعد أن أكمل الخطبة، كان له أن يستخلف على ما بقي من الخطبة وعلى الصلاة، أو على الصلاة إن كان قد أكمل الخطبة، كما يجوز له إذا ضعف عن الخطبة وقوي على الصلاة أن يقدم من يخطب بالناس ويصلي هو بهم، لما ذكرناه من أن الخطبة والصلاة كشيء واحد، فلا يجوز لمن تشبث بالإمامة في شيء من ذلك أن يخرج عن الإمامة إلا من عذر.